الثلاثاء، 24 يناير 2017

الدبلوماسية الشعبية.. رؤية لمستقبل الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين


الدبلوماسية الشعبية..
رؤية لمستقبل الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين

” .. يتفق الخبراء في أن الدبلوماسية هي علم وفن في آن واحد، فهي علم لكونها تستند على دراسة وإجادة نواحي المعرفة، تلك المعرفة التي تقوم على قواعد وقوانين وأصول، وهي فن لأنها مهنة دقيقة وحساسة، فالدبلوماسي بحاجة إلى مهارات خاصة حتى يتمكن من تطبيقها بشكلها الصحيح على واقع عمله وحياته.”
ــــــــــــ
تتغير أساليب الحوار الدبلوماسي ووسائله، بتطور أشكال النزاع وأسبابه ومداخله، وبالطبع فإن ذلك التطور المستمر في بنية العلوم الدبلوماسية، لم يمس أصل المقصد من المصطلح الدبلوماسي، أو مفهوم الدبلوماسية بمعناه التقليدي المتعارف عليه، أي علم إدارة المعاملات بين الدول بأساليب الحوار والتفاوض بالمعنى العام، وفن التواصل والحوار بين الأشخاص بالمعنى الخاص، بقدر ما لامس ذلك تطور الأساليب في مواكبة المتغيرات والتحولات العالمية السياسية منها والسسيولوجية.
وقد تغيرت رؤية المجتمع الدولي نفسه لذلك المفهوم عبر الزمن، ليصبح عنصرا ومقوما أساسيا في المجال السياسي، ومحركا رئيسيا للعلاقات الدولية، وبالطبع فإن الدبلوماسية بمفهومها العام والخاص لا تقتصر على الحياة السياسية فقط، بقدر ما هي علم وفن للحياة بأسرها، ولذلك فهي تدخل في المجالات الاقتصادية والإعلامية والثقافية وغيرها من مجالات الحياة اليومية المختلفة، ويتفق الخبراء في أن الدبلوماسية هي علم وفن في آن واحد، فهي علم لكونها تستند على دراسة وإجادة نواحي المعرفة، تلك المعرفة التي تقوم على قواعد وقوانين وأصول، وهي فن لأنها مهنة دقيقة وحساسة، فالدبلوماسي بحاجة إلى مهارات خاصة حتى يتمكن من تطبيقها بشكلها الصحيح على واقع عمله وحياته.
ومن أبرز أشكال ومفاهيم الدبلوماسية المتطورة، والتي تعتبر نتاجا لذلك التغير الأيديولوجي التاريخي بشقيه السياسي والاجتماعي، لمواكبة المتغيرات العالمية لأشكال النزاعات الدولية، مفهوم الدبلوماسية الشعبية أو " دبلوماسية المسار الثاني"، وللعلم فان الدبلوماسية الشعبية ليست في حقيقة الأمر نتاج عصري أو حديث لتطور العلوم السياسية، فالتاريخ يؤكد ولادتها مع وجود الإنسان على ظهر هذه الأرض، بحكم ضرورة معالجة الخلافات الاجتماعية القبلية منها والثقافية وتبادل الآراء والأفكار والتشاور حول القضايا التي تمس حياة ذلك المجتمع، وغيرها من أشكال الاختلافات التي تنتج عن تطور الحياة اليومية، وبالتالي بروز العديد من المشاكل والتعقيدات والخلافات بشتى أنواعها، ونحن نتصور ـ من وجهة نظرنا الشخصية ـ بأنها الأصل التاريخي للدبلوماسية في إطارها الحديث، حيث عرفتها شعوب قديمة كالإغريق والفينيقيين وغيرهم الكثير من شعوب العالم.
أما الشعوب العربية فقد عرفتها منذ فترة طويلة، وذلك بحكم الطبيعة البدوية والتواصل الاجتماعي القبلي والعادات والتقاليد الاجتماعية التي تفرض على أبناء القبيلة الواحدة أو البلد الواحد حل خلافاتهم الداخلية وإصلاح ذات البين بينهم بطرق لينة وشعبية، وقد برزت تحت أسماء كثيرة كالبرزات والسبلات الشعبية والمجالس القبلية وغرف ومجالس الشورى وإصلاح ذات البين في العالم العربي، ومن أبرزها على الإطلاق في تاريخنا الإسلامي والعربي، ما سمي " بحلف الفضول " حيث اجتمع بعض إشراف مكة فتعاهدوا على تأسيس حلف لرد الحقوق والمظالم إلى أصحابها، كذلك فلتلك المنظمات الشعبية مسميات مختلفة في بقية دول العالم كمجالس الصداقة الشعبية، والمجالس الوطنية الشعبية للصداقة، ومنظمات وأحلاف التضامن الشعبي وغيرها من الأسماء، أما الدبلوماسية الحديثة فإنها لم تكرس رسميًّا إلا في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية والموقعة في 18 ابريل 1961م.
أما اليوم فقد تطورت الدبلوماسية الشعبية بشكل لافت للنظر، فأخذت أبعادا كثيرة وأشكال معاصرة ومتطورة، لتبرز تحت إطار عدد كبير من الاتحادات والتكتلات والتحالفات والمنظمات الدولية، وكما هو معروف فإن الدبلوماسية الشعبية تعد من أهم عمليات الاتصال بين الشعوب منذ وقت طويل، ولها من الأساليب والقنوات والأدبيات ما يتجاوز بكثير مفهوم الدبلوماسية الرسمية، (فـإذا كان المعنى الشائع لكلمة الدبلوماسية في عصرنا الحديث يعني: عملية إدارة وتنظيم العلاقات الدولية، فيمكن أن نقول بأن الدبلوماسية الشعبية تعني: الممارسة غير الرسمية لمهمة الدبلوماسية، أو عملية ممارسة تنظيم وتطوير العلاقات بين الشعوب بطرق ووسائل غير رسمية).
وبناء على تلك المعطيات سالفة الذكر لأهمية الدبلوماسية الشعبية، فقد ظل الاهتمام الرسمي وغير الرسمي بها كبيرا إلى يومنا هذا، بل وتزايدت تلك الأهمية في ظل تراجع دور الدبلوماسية الرسمية، بسبب الإخفاقات التي منيت بها في عدد من القضايا الدولية، نتيجة رفض الشعوب للتدخل المباشر في قضاياها ومشاكلها الداخلية بشكل رسمي، باعتبار ذلك نوعا من التدخل في سيادة الدول والشعوب وخصوصياتها، في وقت نجحت فيه الدبلوماسية الشعبية في اختراق ذلك الحاجز النفسي والاجتماعي، بسبب أدواتها وفنونها وأدبياتها التقليدية، وقربها من الشعوب وأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم، واستشعارها لمشاكلهم ومعايشتها اليومية لواقع حال تلك القضايا من خلال المعايشة النفسية والاجتماعية والثقافية لها، وهو ما تنبه له عدد كبير من دول وحكومات العالم اليوم، كالولايات المتحدة الأميركية والصين ودول الاتحاد الأوربي وبعض دول الشرق الأوسط على سبيل المثال لا الحصر.
وفي هذا السياق يقول جون هيوز مساعد وزير الخارجية الأميركي في إدارة ريجان والمدير السابق لـ"صوت أميركا"، في مقال منشور له على موقع المركز الدولي لدراسات أميركيا والغرب، متناولا دور الإعلام في نجاح الدبلوماسية الشعبية بالولايات المتحدة الأميركية، وموضحا الهدف من تدشين هذا النوع من أساليب العمل الدبلوماسي، بقوله: (إن الدبلوماسية الشعبية، والتي دشنتها أميركا من أجل كسب عقول وقلوب الشعوب، والتي تلعب فيها الإذاعة دون أدنى شك دوراً محورياً، تتطلب إذا أريد لها أن تنجح أن تقوم الولايات المتحدة حكومة وشعباً بالتواصل مع شعوب الدول الأخرى، سواء الشعوب الصديقة أو تلك التي تقف منها موقفاً مُعادياً، وهو ما لا يمكن أن يستمر بدون تدعيم دور الإذاعات الموجَّهة (
كما يشير تشن هاو سو رئيس جمعية الشعب الصينى للصداقة مع الدول الأجنبية، إلى الدور الملموس الذي تلعبه الدبلوماسية الشعبية الصينية من خلال الجمعية في عدد من محافل العمل السياسي الرسمي وغير الرسمي، مؤكد على فعالية ذلك الدور بشكل ملحوظ، وما حقته من نجاحات في ذلك الإطار، فيقول: (انه منذ عام 1954 عندما تأسست الجمعية في بكين، أقامت الجمعية روابط صداقة مع ما يقرب من 400 منظمة غير حكومية في أكثر من مائة دولة ، وقال تشن أن الجمعية ساعدت أيضا في إقامة علاقات تآخى بين أكثر من ألف مدينة صينية، ومدن أخرى في أكثر من مائة دولة، وحول الاتصالات الشعبية مع الدول المتقدمة استشهد تشن بجهود الجمعية في إقامة ندوة للتعاون البيئي بين الصين وروسيا، وإصدار إعلان للصداقة بين الصين واليابان في القرن الجديد، والتعاون مع جمعيات الصداقة اليابانية بهدف حماية الصداقة بين الصين واليابان، وإقامة جمعية بين الصين والاتحاد الاوروبى، والترويج لليورو، وبذل جهود واقعية للتطوير الطبيعي للعلاقات الصينية ـ الأميركية) ـ نقلا عن وكالة أنباء شينخوا الصينية.
والطبع فإن لبعض دولنا العربية والخليجية نصيب لا يقل في تجربة الاهتمام بالدبلوماسية الشعبية حديثا، كما هو الحال في المملكة العربية السعودية ومصر والسودان والكويت والعراق وفلسطين والمملكة الأردنية على سبيل المثال لا الحصر، ففي القطر العربي السوداني مثلا تعد جمعيات الدبلوماسية الشعبية، ومن أبرزها مجلس الصداقة الشعبية العالمية، وهي ( هيئة قومية عريقة ظلت تعمل منذ عام 1960 م تحت مظلة مسميات عديدة مثل "منظمة التضامن الآسيوي والإفريقي " في الستينات ومسمى " المجلس الوطني للصداقة والتضامن والسلام في العام 1973 م، وأخيراً تحت مسمى "مجلس الصداقة الشعبية العالمية"، والذي تم تكوينه بموجب القرار الجمهوري رقم (31 ) لسنة 1990 م، حيث يتلقى هذا المجلس رعاية مباشرة من رئيس الجمهورية ويقوم بممارسة مهامه مع وزارة الخارجية والمنظمات الأخرى الشبيهه.
وتهدف تلك المؤسسات الدبلوماسية الشعبية إلى تعزيز التفاهم بين الشعوب من خلال الدبلوماسية الشعبية مع اختلاف ثقافاتهم ودياناتهم وأعراقهم تحقيقا للأمن القومي العربي والدولي، وتسعى إلى تعميق التواصل والتفاهم بين الدول والشعوب، وترسيخ المفاهيم الصحيحة لإصلاح ذات البين، وغيرها الكثير من الأهداف الطيبة، من أهم الأحلاف الشعبية العربية الحديثة، والتي تهتم بالدبلوماسية الشعبية كأساس لقيامها وتأسيسها في العالم العربي اليوم، بهدف حل النزاعات والخلافات وإصلاح ذات البين، وغيرها العديد من المنظمات والأحلاف المماثلة في بقية دولنا العربية والخليجية.
وختاما فإن الدبلوماسية الشعبية وانطلاقا مما سبق ذكره، تعد نتاجا سياسيا فكريا عميق ومتطور، يهدف إلى توطيد علاقات الصداقة والحوار السلمي بين الأمم والشعوب بشكل أساسي، عن طريق التواصل غير الرسمي، ومحاولة حل الخلافات والنزاعات الإقليمية منها في إطار القوانين والأعراف والتقاليد المتعارف عليها، وبوسائل حوارية تحقيقا للأمن القومي العربي والدولي، وبالتالي فإن الدبلوماسية الشعبية هي رؤية سياسية صحيحة وهادفة لمستقبل الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين.


محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي
المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الترويكا بين المفهوم والمصطلح

  الترويكا بين المفهوم والمصطلح     الترويكا ثالوث الرأي السياسي، والمفهوم     الدال على اجماع الرأي الواحد، وفي وقتنا الحاضر، لم تع...