الجمعة، 27 مايو 2016

التجربة الصينية

"التجربة الصينية "
مناقشات وأراء خبراء سياسيون صينيون ودوليون
 pics
 تعتبر "التجربة الصينية" واحدة من التجارب التي أدهشت المجتمع الإنساني حيث لفتت انجازات التنمية المستدامة والمتسارعة خلال ال30 عاما من تطبيق سياسة الاصلاح والانفتاح الكثير من العلماء والباحثين داخل وخارج الصين واتخاذها كنموذج للدراسة والمناقشة وتلخيص التنمية في الصين منذ الاصلاح والانفتاح وتعميق فهم الناس معنى الاشتراكية ذات خصائص صينية . حيث ان " التجربة الصينية " هي رؤية جديدة تختلف عن الرؤية الماوية التي تذهب باتجاه الانفتاح على العالم الخارجي ولاسيما العالم الغربي، وأحداث إصلاحات اقتصادية تكون كفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي للصين ومن ثم تحقيق مستويات من الرفاهية مرضية للمواطن الصيني.
وتعد "التجربة الصينية " التي قادها الزعيم الصيني دينج شياو بينج منذ عام 1978 واستمر على نهجه من جاء بعده، تجربة فريدة من نوعها وهي محط إعجاب العالم واستطاعت هذه التجربة من خلال نجاحاتها ان ترتقي بالصين إلى مكانة متقدمة بين الدول على الصعيد العالمي .

وحققت "التجربةالصينية" تحولات كبيرة في الاقتصاد الصيني، ولنا ان نستدل على نجاح هذه التجربة من خلال معدلات النمو الاقتصادي العالية المتحققة والتي انعكس بشكل ايجابي في ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في الصين مما أدى بالنتيجة إلى تحسن ملحوظ في مستوى دخل الفرد في الصين. ومن نتائج هذه التجربة ارتفاع معدل الاستثمارات الأجنبية في الصين، وكذلك زيادة مساهمة الصين في حجم التجارة العالمية.

المعنى الحقيقي لـ" التجربة الصينية" وخصائصها بالرغم من ان مضمون وملامح وجهات النظر مختلفة ومن زوايا مختلفة التي تلاحظها في عناوين متعددة من " نموذج الصين "و" طريق الصين " " تجربة الصين " الا ان هناك نظرة مشتركة في التجربة الصينية هي استراتيجية التنمية السليمة التي انتهجتها المؤسسات الصينية على نطاق واسع منذ الاصلاح والانفتاح.

" التجربة الصينية " هو نظام اقتصادي اشتراكي ونموذج لتنمية الاقتصادية حيث يرى بعض العلماء ان التجربة الصينية تمتاز باربع خصائص رئيسية هي :-

الملكية،تنفيذ الملكية العامة هي الغالبة بينما تتطور الملكية المتنوعة الأخرى.
التخصيص،هو تنفيذ التوزيع وفقا للعمل بوصفه الرئيسي وتعايش انواع من التخصيصات الأخرى.
تخصيص المواد،تنفيذ تخصيص المواد على قاعدة نظام السوق والتنظيم النموذج رائد من جانب الدولة.
تنسيق التنمية المحلية والدولية، تنفيذ اعتماد على الذات مع تاكيد على الانفتاح.

تعتبر "التجربة الصينية" هي تجربة مرنة ومبتكرة مناسبة لظروف الصين المحلية.حيث يعتقد بعض الخبراء ان تجربة الصين في التنمية تناسب ظروف الصين واحتياجاتها الاجتماعية حيث تسعي لتحقيق العدالة ومزيج من النمو السريع في تطوير تجربة مبتكرة.ويمكن تلخيص هذه التجربة على انها تجربة ابتكار والعمل الجاد والمبادرة الجريئة والعزم في الممارسة العملية و حماية سيادة الدولة ومصالحها. فنجد ان الابتكار والتجريب والمرونة في التغيير هو روح هذه التجربة واساس نجاحها. ومما ميز هذه التجربة كذلك،انها جاءت على عدة مراحل مما جعل لهذه التجربة حصانة من الفشل أو الإخفاق.

ولخص عالم اخر " التجربةالصينية " في ثماني نقاط رئيسية اعطت المنحى الحديث والقوة الفعالة للحكومة الصينية والاستمرار في السعي لاستخلاص الحقيقة من الواقع وانطلاق منها شيئا فشيئا ومن ثم التوسع تدريجياً والتركيز على تحسين مستوى معيشة الشعب وتحقيق الاستقرار والتوازن بين علاقة التنمية والاصلاح وتنفيذه تدريجيا دون صدمات والاولوية لقيام نظام صحي مع محافظة على اقتصاد سوق اشتراكي وكفاءة في تخصيص الموارد وتحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة والعقلية المتفتحة.

ومن جهة اخرى، اشار خبراء اخرون ان " التجربة الصينية"هي تجربة متكاملة وتشمل بناء اقتصادي وسياسي وثقافي واجتماعي وبناء حضارة ايكولوجية وما الى ذلك.وهي نموذج يجسد 30 سنة من سياسة الاصلاح والانفتاح والابداعات الجديدة،وابتكار نظام مميز وقوي ذو خصائص صينية تواكب العصر.وتطوير مفهوم الماركسية ليصبح دليلا لوضع مخطط والالتزام لبناء اقتصاد اشتراكي ،وبناء سياسي وثقافي واجتماعي وتنمية شاملة للحضارة .وكوسيلة للتنمية والاصلاح التدريجي في مسار التنمية والاعتماد على تصنيع تكنلوجيا المعلومات والتوسع الحضري والتسويق والتدويل لتحقيق التنمية. والهدف الرئيسي والمهمة الاولى في للتنمية هو الارتقاء بالشعب.

ويرى الاخرون انه مهما كان النقاش من الناحية الاقتصادية او السياسية او من المنظور التنمية الشاملة فان " التجربة الصينية " هي 30سنة من الخبرة في مجال التنمية والانجازات العظيمةوهي تجربة في طريق الاشتراكية الصينية الخاصة والمتميزة في ظل قيادة الحزب الشيوعي الصيني واستناداً الى الظروف الاساسية للمجتمع وتركيزا على التنمية اقتصادية.وتتمسك الصين باربع مبادء اساسية والاصلاح والانفتاح وتحرروتطويرالقوة الاجتماعية المنتجة وتحسين النظام الاشتراكي وبناء اقتصاد سوق اشتراكي وديمقراطي وكذلك تطوير الثقافة الاشتراكية وبناء مجتمع اشتراكي متناغم ، وبناء ديمقراطية متحضرة واشتراكية حديثة.

اراء محلية و دولية لـ " التجربة الصينية "تواجه اراء وتقييمات لابحاث ودراسات صينية واجنبية حول " التجربة الصينية" الى خلفية معقدة لوجود نقص في فهم التجربة والدراسات الخاطئة من جهة ووجود بعض التثخيم لتجربة من جهة اخرى، لذى ينبغي اتخاذ موقف عقلاني والحفاظ على الفهم الصحيح والواضح للتجربة كما يجب الحفاظ على موقف متزن وحذر عند الثناء.
إن التنمية السلمية في الصين تتمثل في جوهرها في تحقيق التنمية الذاتية والمساهمة في صيانة السلام العالمي، فقد انشات الصين نموذج جديد للتنمية الذي كسبها ثروة من الخبرة في تحقيق التوازن بين الاصلاح والتنمية والاستقرار والقضاء على الفقر عكس الغرب.
وبالرغم من الانبهار وقوة "التجربة الصينية" التي الهمت مخيلة العالم لما حققته من تعزيز وتطوير الحضارة البشرية في عصر العولمة بنظامها الغني والمتنوع ألا انه يتعين على كل بلد ايجاد نموذج تنمية وفقاً لخصائصها.
فتجربة الصينية للتنمية قد لا يمكن نسخه لبلد اخرا كما لايمكن فرض النموذج الصيني على بلدان اخرى. ومن وجهة نظر اخرى فمازالت الصين دولة نامية تواجه مشاكل عددية بسبب عدد السكان وضعف الاسس الاقتصادية والتنمية الغير متساوية التي تواجه طريق طويل ملئ بالمشاكل ينبغي ان تواصل في شعورهابالقلق كما يجب الاجتهاد دائما في خلق وضع جديد للتنمية والاستفادة من الفرض الاستراتيجية الهامة لها.
من جهة اخرى، ينبغي تعزيز الثقة وعدم التسرع في انتقاد لبعض وسائل الاعلام الاجنبية وعدم الخلط في الحكم عليها فالمفهوم الضيق للاديولوجية الصينية لبعض علماء الغرب هو الذي ادى الى الخلط عند بعض وسائل الاعلام. ففكرة " مفهوم مسؤولية الصين " جاءت نتيجة الفهم الخاطئ وتجاهل الاصلاح السياسي والتقدم الهائل الذي حققته الصين.والدعوة الى " انهيار نظرية الصين" ما هي الا اسلوب اشير اليه لتشويه نموذج النمط الاقتصادي والتغيرات التي ادخلتها التجربة الصينية على السياسة الدولية والضجيج الذي احدثته "نظرية التهديد الصيني " الخ من نظريات تهدف الى تقليل من قيمة التجرية الصينيةلا غير.
ولمحاربة هذا النوع من الهجوم ومحاولة تجاهل التطوروالتقدم الذي حققته الصين بتجربتها المميزة يجب أن نعلم وبوضوح تام عندما تتخذ طريق الاشتراكية ذات الخصائص الصينية والمستندة فعليا لتجربة الصينية وفي تلخيص للايجابياتها وسلبياتها يجب ان لا يستبعد الانجازات المفيدة التي حققتها التجربة للحضارة البشرية.
تعتبرالصين دولة موحّدة ومتعددة القوميات كما هى أكثر دولة في العالم سكانا إذ يبلغ الان عدد سكان الصين حوالى 1.3 مليار نسمة ينتسبون الى ست وخمسين قومية،وهذا المزيج من السكان يجعل الصين ذو خصائص ومميزات تختلف عن غيرها من دول العالم وعليه فالتجربة الصينية هي الخيار الوحيد والصحيح الذي يتماشى مع ظروف الصين وتلبية لرغبات والشعب ومتطلبات العصر.

وعلى طريق تطبيق الاشتراكية ذات خصائص صينية في عملية الاصلاح والتنمية لا مفر من تواجد كبوات، ومشاكل وببساطة فان التجربة مازالت مستمرة في التطور وتقدم واكتشاف. ان" تجربة الصين " في التنمية هي سلمية لن تشكل تهديداً لاي دولة اخرى والصين مستعدة لتحمل نصيبها من المسؤولية من اجل تعزيز السلام العالمي والتنمية المشتركة على ان لا تتجاوز واقع ظروف دولة نامية وقوة وطنية.
بزوغ نجم الصين هو الدافع لعلاقات شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين الاتحاد الأوروبي والصينعباس جواد كديمي
pics 
خلال العقود الثلاثة المنصرمة، ظهر تدريجيا نجم متلألىء في شرق الأرض، إنه نجم الصين على المسرح الدولي. فمنذ انتهاجها لسياسة الإصلاح والانفتاح على العالم في نهاية السبعينات، تزداد الصين قوة على كافة الأصعدة، وحققت نتائج ملموسة في معظم مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حتى أضحت تجربتها محط اهتمام وإشادة العالم أجمع.

ويرى المحللون والمتابعون أن نهضة الصين غير مسبوقة فعلا، لا بَينَ جيرانها ولا في العالم. فجارتها اليابان برزت كقوة اقتصادية والاتحاد السوفيتي السابق كقوة اقتصادية – عسكرية، ولكن الصين برزت كقوة اقتصادية مجتهدة وتعاونية مؤثرة إيجابا مع جيرانها والعالم. ولأنها تتمتع بهذا الزخم التنموي على كافة الأصعدة فقد اقتنع واضعو السياسات في الاتحاد الأوروبي بأهميتها كقوة عالمية صاعدة تدفع عجلة الاقتصاد العالمي، وتلاشت عندهم فكرة أن الصين تمثل تهديدا. وعلى أساس هذه القناعة بدأت العلاقات تتطور بين الصين، هذه القوة الاقتصادية الناهضة، وبين الاتحاد الأوروبي صاحب الخبرات التنموية الواسعة.

لقد جاء صعود نجم الصين في وقت يشهد فيه العالم اليوم تطورات وتغيرات وتعديلات كبيرة، تحمل معها فرصا وتحديات في آن واحد. ويرى المتابعون والمحللون أن النظام العالمي، بهيكله ووضعه الحاليين، لم يعد قادرا ولا كُفئا في معالجة القضايا الطارئة والملحة التي تظهر هنا وهناك، وتهدد في خطورتها السلام والاستقرار العالميين. لذلك أدرك الناس أهمية التعاون والتنسيق بين كل حكومات العالم من اجل الخروج بتسويات ناجعة تخدم السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في العالم كله، وتحمي كوكب الأرض من الأخطار البيئية المُحدقة به. وعلى أساس هذه الحقائق بدأت العلاقات بين الصين والاتحاد الأوروبي تأخذ شكلها الحالي المتميز بالتكافؤ والمساواة والتعاون والنظرة المستقبلية الواسعة والآفاق المشرقة.

ومنذ استعادة الصين مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة عام 1971 ، بدأت بنشاطات بناءة على المسرح الدولي، وأسهمت في العديد من الجهود الدولية لتسوية القضايا التي تواجه العالم، ولكن دورها كان محدودا بسبب انشغالها بأمور داخلية ملحة لدفع التنمية وبناء بلد ناهض قوي يوفر الكساء والطعام لعدد هائل من السكان يمثلون خمس تعداد العالم.

ومع نموها الاقتصادي المتواصل وتعزز قوتها الشاملة وتأثيرها على الساحة الدولية ، دأبت الصين على المشاركة النشيطة في معظم الشئون الإقليمية والدولية الهامة، والعمل مع المجتمع الدولي لإيجاد التسويات الملائمة لمشاكل العالم، والمشاركة بحيوية في مهام حفظ السلام الأممية ، وفي العديد من المنظمات الدولية ومنها على سبيل المثال لا الحصر نشاطات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وبدأ تأثيرها يزداد على الساحة الدولية وواصلت مسيرتها التنموية الملحوظة، الأمر الذي وفر الفرصة لاندماجها اكثر مع المجتمع الدولي. وقبل الحديث عن القمة الصينية – الاوروبية الـ12 التي عقدت في مدينة نانجينغ حاضرة مقاطعة جيانغسو شرقي البلاد ، لابد من التطرق لخلفية العلاقات، وكيف بدأت آليات هذه القمة بين الجانبين.

مما لاشك فيه أن العلاقات بين الصين وأوروبا تعود إلى عهود تاريخية قديمة، ولكن علاقات الجانبين الدبلوماسية بدأت رسميا عام 1975. ونظرا لأهمية العلاقات التجارية بين الجانبين، تم في مايو عام 1978 توقيع اتفاق تجارة وإنشاء لجنة مشتركة لدفع الروابط التجارية. ومن اجل المزيد من تعزيز العلاقات على كافة الأصعدة، قام رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق روي جينكينز بزيارة الصين في فبراير عام 1979 حيث التقى برئيس مجلس الدولة الصيني الراحل الزعيم دنغ تشياو بنغ. وتوالت اللقاءات والاجتماعات ومنها اللقاء الأول بين برلماني الجانبين في شهر يونيو عام 1980 ، حيث التقى ممثلون من المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني مع نظرائهم الأوروبيين في مدينة ستراسبورغ التاريخية الفرنسية.

ولابد من الإشارة هنا إلى أنه بسبب عوامل تاريخية وأخرى سياسية واقتصادية لم يكن الاتحاد الأوروبي، منذ نشأته السياسية عام 1991،مهتما الاهتمام الكافي بالصين، وكان بعض حكومات الاتحاد وساسته ينظرون إلى الصين على أنها خطر أو تهديد يجب كبحه أو احتوائه، وذلك استنادا إلى معلومات مسبقة مغلوطة تجاه الصين.

ولكن مع تطور الأوضاع، طُرحت فكرة عقد لقاءات القمة بين الصين والاتحاد الأوروبي خلال اجتماع بين دول آسيا وأوربا (الأسيم) في مطلع عام 1998، واتفق الجانبان على عقدها سنويا وبانتظام. وفعلا بدأت القمة في ربيع نفس السنة وبعدها صدر بيان مشترك يؤكد على بناء شراكة راسخة على المدى الطويل.

واستمرت القمم بالانعقاد في كل السنوات التالية، ماعدا عام 2008 الماضي حيث طالبت الصين بتأجيلها بسبب تدخل بعض الدول الأوروبية بشئونها الداخلية، ثم عادت للانعقاد هذا العام في إشارة إلى عودة الأمور إلى طبيعتها بين الجانبين.

وخلال لقاءات القمة المنتظمة سنويا بين الجانبين، كانت النتائج مثمرة فعلا ، ولكنها تكللت في عام 2003 ، بتطور العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وبذلك شهدت العلاقات تطورا إيجابيا ومثمرا حتى أصبحت الصين حاليا ثاني اكبر شريك تجاري لأوروبا بينما تمثل أوروبا اكبر شريك تجاري للصين، إذ وصلت قيمة تبادلاتهما التجارية إلى مليارات الدولارات.

وهناك حقيقة معروفة وهي أن الصين والاتحاد الاوروبي مختلفان في نواح عديدة، لكن الحقيقة الناصعة الأخرى هي أنه بإمكان الجانبين تحويل هذه الاختلافات إلى فرص للتعاون بدلا من الاحتكاكات، رغم أن الاختلاف لا يفسد للود قضية.

لقد كانت هناك نظرة أوروبية مُجحفة تجاه الصين التي ظلت تتعرض لانتقادات متكررة من الاتحاد الأوروبي ، والسبب الرئيسي هو الأحكام المسبقة على هذا البلد النامي والنظرة التنافسية غير العادلة من أوروبا تجاه الصين. لكن – لحسن الحظ - أن عهود الغطرسة والتكبر قد ولت وظهرت على مسرح الأحداث في العالم قوى ناشئة جديدة تقدم مساهمات إيجابية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لعالمنا اليوم. ومن هنا بدأت النظرة الموضوعية للاتحاد الأوروبي تجاه الصين تحديدا، وظهرت دعوات كثيرة على مستوى الحكومات الأوروبية وشعوبها تطالب بالتقرب اكثر من الصين وفهمها بصورة صحيحة وعادلة وتكوين علاقات موضوعية متكافئة ومتبادلة المنفعة معها.

كان بعض الساسة الأوروبيين يكيلون الانتقادات للصين في مجالات عديدة، ولكنهم يتناسون حقيقة مهمة وهي أن الصين بلد نام يحتاج إلى الدعم والمساعدة في معظم المجالات، ولحسن الحظ أيضا أن الكثير من الدعوات ظهرت في أوروبا تطالب حكوماتها بمد يد العون للصين والمساهمة في دفع تنميتها اقتصاديا واجتماعيا بدلا من الابتعاد عنها وكيل الانتقادات لها دون وجه حق.

كان الغرب عموما، وأوروبا خصوصا ، يطالبان الصين بمزيد من الانفتاح ولكنهما يتجاهلان مساعدتها في تطوير إمكانياتها لتكون مؤهلة وقادرة على الانفتاح والتعامل مع تطورات الأحداث. وهنا يبرز سؤال هو: كيف يمكن للصين أن تتعامل مع جانب متطور مثل أوروبا وهي لا تمتلك الكفاءات أو المهنيين القادرين على التعامل مع نظرائهم؟، وهل من العدل أن تفتح الصين أبوابها للأوربيين وهي لا تعرف شيئا عن التعامل معهم؟، لذلك كان لزاما على أوروبا أن تغير نظرتها تجاه الصين وتتعامل معها على أنها قوة عالمية صاعدة إيجابية مؤثرة في العالم ، والكف عن معاملتها كقوة مُهددة أو تنافسية خطيرة.

لقد عانى العالم اجمع من ويلات الحروب والاستعمار والنهب والسلب، وعانت الصين تحديدا من كل هذه الويلات ، ويشعر العالم اليوم أن الوقت قد حان للتعاون والتنسيق لمواجهة الأخطار والتحديات الكونية، بدلا من مواصلة المنافسة غير العادلة. وهنا لابد من الإشارة إلى أن أوروبا حققت نهضتها الصناعية على حساب البيئة واستنفدت موارد كثيرة من أوروبا والعالم حتى استطاعت الوصول لتطورها الحالي.

لقد ولى ذلك الزمن الذي كانت فيه القوى الكبرى تأمر الآخرين ويطيعونها، وقد انتهى زمن الغطرسة والتكبر، وظهرت الحاجة الماسة لعالم يسوده التعاون المتكافيء والسلام والاستقرار اللازمين لدفع تنمية الشعوب وتحسين مستويات حياتها.

ويتعين على أوروبا خاصة والغرب عامة أن يتخليا عن لغة الشروط المؤاتية لهما فقط ، وعليهما مراعاة مصالح الآخرين المشروعة كما يراعيان مصالحهما الذاتية ،ويكفّا عن التدخل في شئون الآخرين تحت أي ذريعة، ويسعيان لتحقيق المساواة والتوازن والمنفعة المتبادلة.

وبعد أن بذل الصينيون هذا الجهد الكبير ونهضوا ببلدهم إلى هذا المستوى وجمعوا بمواردهم وعرقهم هذه الثروة، يتعين على الآخرين، وخاصة أوروبا، أن لا تطالبهم بدفع ثمن أخطاء يرتكبها آخرون، كما يحصل حاليا بسبب الأزمة المالية التي تجتاح العالم والناجمة عن طمع وجشع الغرب، وعلى الآخرين أن يدركوا انه يتعين على الصين أولا أن تعالج أوضاعها الداخلية وإزالة الفقر عن مواطنيها وخاصة في أرياف البلاد الواسعة ، وأن لا يطالبونها بتحمل مسئولية اكبر من قدراتها.

لقد جاءت القمة الـ12 بين قادة الصين والاتحاد الأوروبي في هذا الوقت الصعب عالميا، حيث تتواصل الأزمة المالية وتزداد تغيرات المناخ سوءا ، ويتزايد الطلب على الطاقة التي ترتفع أسعارها بشكل جنوني، وتبرز الحاجة لإيجاد بدائل من الطاقة المتجددة، كل هذه التحديات تشكل فرصة سانحة للصين وأوروبا ليتعاونا معا ويقدما المساهمات النافعة لكوكب الأرض وللإنسانية جمعاء. إنها فرصة يجب اغتنامها لتحويل التحديات إلى أساس تعاوني بناء.

وتأتي القمة في وقت تدخل فيه معاهدة لشبونة حيز التنفيذ، الأمر الذي يعني المزيد من وحدة الصف بين الدول الأوروبية بما يخدم علاقات أوروبا مع العالم ومنه الصين. ويرى العديد من الصينيين – خاصة المهتمين بالشأن الأوروبي- أن هذه المعاهدة فرصة طيبة للمزيد من تعزيز العلاقات بين الصين وأوروبا التي ستنسق قضاياها بشكل افضل بوجود هذه المعاهدة.

وجاءت القمة الصينية- الأوروبية قبل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر كوبنهاغن الذي ترعاه الأمم المتحدة حول تغيرات المناخ، وتتزايد آمال الناس على هذا المؤتمر للخروج بمعاهدة عالمية تحد من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وتحسين بيئة الأرض. وفي هذا الإطار يمكن للصين وأوروبا أن تعززا جهودهما من اجل بيئة انظف واكثر علمية وكفاءة من خلال رفع الحظر الأوروبي المفروض على بيع المعدات العلمية والتكنولوجية المتقدمة للصين.

لقد تعهدت الصين للعالم بتقديم مساهمات إيجابية لكبح تدهور بيئة كوكبنا وتقليل انبعاثات الكربون إلى أدنى مستوى ممكن، وأعلنت أن رئيس مجلس الدولة الصيني ون جيا باو سيحضر مؤتمر كوبنهاغن ليؤكد التزام الصين بالعمل مع المجتمع الدولي لتحقيق أهداف المؤتمر.

لقد تكللت القمة ال12 بين قادة الصين وأوروبا بالنجاح، وأسهمت في المزيد من تعزيز الحوار والتعاون والثقة الاستراتيجية المتبادلة، والدليل على ذلك هو الاتفاقيات الموقعة خلالها ويمكن تلخيصها كالآتي:
1- مذكرة تفاهم حول المرحلة لمشروع الفحم الخالي من الانبعاثات.
2- اتفاقية تمويل برامج التعاون الصيني- الأوروبي في مجال الحفاظ على البيئة.
3- اتفاقية تمويل المشروع الجديد(( دعم المنظومة الجديدة للصين لتعزيز التنمية المستدامة للاستثمارات)).
4- مذكرة تفاهم حول آليات التنسيق والتشاور للمزيد من التعاون في القطاع الصناعي للجانبين.
5- مذكرة تفاهم حول إطار عمل تعاوني للاستغلال الناجح للطاقة وتعزيز الجودة في المشاريع الإنشائية.
6- اتفاقية تجديد التعاون العلمي والتكولوجي.
7- تعزيز العمل على تكثيف التبادلات على المستوى الشعبي بين الجانبين من اجل تحسين الفهم المتبادل، والتأكيد على تبادل الزيارات ومضاعفتها بين شباب الجانبين ومنح الفرص للطلبة للدراسة وتطوير الإمكانيات.
إضافة إلى تجديد التأكيد على النقاط المشتركة بين الجانبين ومنها دعم التعددية وتعزيز السلام والاستقرار في العالم ، ومعارضة نزعة الحمائية التجارية، وإجراء مناقشات منفتحة ومستفيضة وبناءة حول العديد من القضايا الثنائية والدولية السياسية والاقتصادية والمالية والبيئية ، والقضايا التي تخص الأمن والسلام في العالم.

وقبيل القمة وبعدها، أكدت الصين مجددا أهمية العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وجاء التأكيد على لسان الرئيس الصيني هو جينتاو الذي استقبل قادة الاتحاد الأوروبي بعد القمة، وأشار إلى ضرورة أن يتحلى الجانبان بالنظرة الاستراتيجية البعيدة المدى ويعملان على توطيد أواصر الشراكة الإستراتيجية الشاملة بينهما بما يخدم شعوبهما ويسهم في دفع الانتعاش الاقتصادي العالمي بعد كبوته خلال العام المنصرم. وحث كلا الجانبين على استكشاف المزيد من الوسائل التي تعزز الحوار السياسي على كافة المستويات وتكثيف المشاورات حول القضايا الدولية والإقليمية الرئيسية، وتعميق الثقة الإستراتيجية المتبادلة وإغناء مضامين علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين والاتحاد الأوروبي. وإن دلّ هذا على شيء فأنه يدل على أن الصين جادة في انفتاحها على أوروبا وعلى العالم اجمع، ويتعين على الجانب الآخر أن يتحلى بنفس الرغبة والجدية لدفع مسيرة العلاقات في العالم نحو الأحسن ونحو المزيد من التنمية لكل شعوب الأرض والعمل على إسعاد الناس وتخليصهم من المصاعب والشدائد والأخطار والتحديات التي تواجه عالمنا اليوم.
سياسة تنظيم الأسرة فى الصين ما لها وما عليها
واقع الصين وخلفية فرض هذه السياسة :شهدت الصين الفقيرة خلال ستينات وسبعينات القرن الـ 20 زيادة سريعة ومستمرة فى اعداد السكان. وفى السبعينات بالذات بدأت موجة عارمة فى البلاد نحو الاصلاح والانفتاح وضرورة التخلص من الفقر والتخلف . وقاد تلك الموجة الاصلاحية الزعيم الراحل دنغ شياو بنغ الذى يطلق عليه الصينيون لقب " مهندس الاصلاح والانفتاح". ولكن طموحات تلك الموجة الاصلاحية سرعان ما اصطدمت بحقيقة واضحة تتجسد فى استحالة تحقيق اصلاح حقيقى وتنمية اقتصادية ملموسة فى ظل الزيادة السكانية المستمرة بسرعة وبشكل عشوائى بالصين. وعندها وُلِدت فكرة لكبح الزيادة المتسارعة فى عدد سكان الصين ثم تحولت الفكرة الى سياسة وطنية بدأ تنفيذها فى عموم البلاد فى عام 1979 .

طُرِحت سياسة أو إستراتيجية تنظيم الأسرة فى الصين كإجراء مؤقت يهدف الى كبح الزيادة السكانية من خلال التشجيع على تأخير الزواج وتأخير الإنجاب ، بما يسهم فى تهيئة الظروف لتحقيق التنمية الإقتصادية المرجوة ، والعمل على تحسين الرعاية الصحية للأمهات والاطفال ، واستهدفت بالأساس سكان المدن ،على أن تختلف اساليب تطبيقها وفقا للظروف الواقعية لمناطق البلاد.

ومن المعروف ان الصين مجتمع شرقى زراعى تقليدى ، يفضل ابناؤه العائلة الكبيرة باعتبارها مصدرا للسعادة والدعم والاسناد ، وكانوا يفضلون الذكور على الأناث ، لذلك كان من الحكمة عدم المخاطرة بفرض هذه السياسة إجباريا دون توعية باهدافها واسبابها وموجباتها وتوضيح مفاهيمها ، ولذلك أُعلِنت فى البداية كإجراء مؤقت. وفى هذا المجتمع الشرقى والفلاحي كان من الطبيعى أن تواجه هذه الاجراءات بعض الرفض والمقاومة والممانعة والتجاهل.

وقبل ثلاثين عاما ، كانت الصين متخلفة اقتصاديا ، وضعيفة سياسيا ، حيث يعانى معظم مواطنيها من الفقر والجوع والحرمان والأمية والجهل خاصة فى مطلع الستينات. وكان الناس لا يجدون ما يكفى لسد رمقهم ، وكانوا يتناوبون على أكل وجبة الطعام ، لذلك كانت الزيادة السكانية المطردة مصدر قلق كبير لقادة البلاد وواضعى السياسات فيها ، وهى السبب الرئيسى لفرض هذه الاجراءات.

وحول تلك الظروف ، تقول السيدة (وانغ) إن العائلة الصينية عانت الأمرّين خلال ستينات القرن الماضى ، حيث كانت البطاقة التموينية والحصص المحددة القليلة لا تكفى لإطعام افراد العائلة ناهيك عن إشباعهم ، ولم تكن هناك مخازن أو أسواق سوى تلك الحكومية ، لذلك كانت تضطر هى وأفراد عائلتها الى منح نصيبهم المتواضع من الطعام إما لكبار السن فى العائلة احتراما ومراعاة لهم ، أو إعطائه للصغار عطفا عليهم وإحساسا بحاجتهم للطعام لضمان نموهم بشكل سليم .

ورغم تلك الصورة القاتمة ، لكن الالتزام بهذه الاجراءات كان هشا ، وكان الفلاحون - على سبيل المثال - يتجاهلونها إلى ان يرزقوا بطفل ذكر حتى ولو بعد اربع او خمس بنات .

فى الوقت نفسه ، كان خطر الانفجار السكانى قائما ومعه كافة الاحتمالات الاجتماعية الخطيرة التى ترافق مثل هكذا مشكلة . لذلك كانت المبررات موجودة فعلا لفرض هذه الاجراءات ، وإلا ستؤول الأمور الى ما لا تحمد عقباه ، الأمر الذى دفع الحكومة الى تبنى هذه السياسة سعيا للحفاظ على توازن معقول بين احتياجات العدد المتزايد لسكان الصين ومواردها الضعيفة المتهالكة ، وكان لابد من كابح للزيادة السكانية اللامنضبطة من اجل تحقيق النمو الاقتصادى المرجو.

وتحسنت الأحوال نسبيا فى مطلع السبعينات ولكن ليس بالقدر المطلوب ، وتضيف السيدة (وانغ) قائلة إن سياسة تنظيم الأسرة كانت مرنة فى البداية بحيث تسمح لها ولأقرانها بإنجاب أكثر من طفل فى تلك الفترة ، وفعلا اختار آخرون انجاب طفلين وحتى ثلاثة ، ولكنها اختارت طوعا الاكتفاء بطفلة واحدة لإدراكها باستحالة تهيئة الظروف الملائمة لتربية أكثر من طفل ، حيث لا يوجد الكثير من رياض ألاطفال ولا المدارس الداخلية ولا الرعاية الكافية الضرورية لتربية الطفل بشكل صحيح. وتؤكد ان هذه السياسة تشددت مطلع الثمانينيات ، وكان الصينيون عموما يعتقدون ان طفلا واحدا ليس قليلا ولكن اثنين أحسن.

وتضيف قائلة إنه قبل تطبيق سياسة تنظيم الأسرة في الصين، كان معدل الإنجاب عاليا، فأمها مثلا التي لها ثلاثة أخوة وأخوات، أنجبت ثلاثة أطفال ، بينما أنجبت عمتها ستة . أما أبوها فله أربعة أشقاء وشقيقات. ولم يكن الناس من جيل والدها يستخدمون أساليب منع الحمل، فالمرأة التي تتزوج تحمل وتلد.
وفي سبعينات القرن الماضي، كان معدل الإنجاب للمرأة الصينية في المرحلة العمرية من 20 سنة إلى 49 سنة نحو ستة أطفال.

وتمضى السيدة (وانغ) فى حديثها قائلة إن الأمر قد أختلف معها ومع أشقائها وشقيقاتها، فقد وُلِدوا في الفترة بين سنة 1927 وسنة 1946، ووُلِد أطفالهم بين سنة 1948 وسنة 1974 ، وجاءوا في زمن شجعت فيه الحكومة على تأخير سن الزواج والإنجاب ، وقد صار جيل الابناء أكثر تآلفا مع تأخير سن الزواج والإنجاب، بل إن بعضهم لا يريد الإنجاب أصلا لاسباب شخصية تتعلق بظروف الحياة وضغوطها.

ورغم مرور ثلاثة عقود على تطبيق هذه السياسة ، لكنها ظلت غامضة بالنسبة للناس خارج الصين. لكن الذى يعرفون ظروف الصين جيدا خلال العقود الثلاثة المنصرمة يدركون أسباب هذا الغموض ، حيث كانت الصين كلها تقريبا منغلقة ، حتى ان البعض كان يشبهها بمجتمعات القرون الوسطى .

أما الغموض المحيط بهذه السياسة فقد يدفع المرء للتساؤل هل انها تعنى إنجاب طفل واحد وأنتهى الأمر ؟ وماذا لو حدثت امور غير محسوبة خلال الحمل او عند الولادة او بعدها، أو فى حالات الطوارىء والكوارث الطبيعية ، كما حدث فى زلزال سيتشوان المدمر فى 12 مايو 2008 ؟! وهل ان هذه السياسة تعنى فعلا ان لكل زوجين فرصة واحدة لإنجاب طفل فقط ، لاغيرها؟!.الجواب قطعا لا ، ولكن كيف ؟ وهذا ما يستدعى الحديث ولو بإسهاب بسيط.
سياسة تنظيم الأسرة فى الصين ما لها وما عليها

ظروف الصين وحقيقة هذه السياسة :الصين بلد واسع مترامى الأطراف يعيش فيه خمس سكان العالم ، ويضم المجتمع الصينى 56 قومية ، أكبرها قومية الهان إلى جانب 55 أقلية قومية ، منها عشر قوميات مسلمة . ولكل قومية ظروفها التاريخية والاجتماعية والتراثية الخاصة ، الأمر الذى يعنى ضرورة الاهتمام بكل هذه التفاصيل عند فرض مثل هذه السياسات.

وكان للمساحة الشاسعة وتوزيع السكان وتنوعهم القومى فى مناطق ومقاطعات الصين أثر واضح على شروط تطبيق هذه السياسة.

فقد وضعت الحكومة المركزية الصينية مبادىء عامة مُرشدة لتطبيق هذه السياسة ، ولكنها منحت صلاحيات واسعة للحكومات المحلية ، خاصة للمناطق المأهولة بالاقليات القومية التى تتمتع بسياسة الحكم الذاتى. وسمحت للمقاطعات وحكوماتها المحلية باتخاذ الاجراءات والسياسات المناسبة لواقعها وظروفها. وحتى فى حدود المقاطعة الواحدة هناك تباين فى تطبيق هذه السياسة ، وسبب التباين هو تعايش عدة قوميات فى اطار المقاطعة ، الأمر الذى ساعد على تخفيف قيود هذه السياسة وتيسير شروط تطبيقها .

وهذا يعنى أن لكل منطقة الحق فى تعديل إجراءات التطبيق بما يتلاءم وظروفها الذاتية ، ولذلك هناك استثناءات وتسهيلات للمناطق المكتظة بأبناء الأقليات القومية مثل القوميات الصينية العشر المسلمة وغيرها من القوميات القليلة العدد، حيث يسمح للزوجين بإنجاب أكثر من طفل من اجل زيادة عدد ابناء القومية ، وهذا ينطبق على اكثر من خمسين أقلية قومية بالصين .

وتشمل الإستثناءات والتسهيلات ايضا المناطق الريفية الزراعية فى البلاد عامة ومناطق الأقليات القومية خاصة ، حيث تحتاج العائلة الريفية لأكبر عدد ممكن من الافراد ، خاصة الذكور، ليعينوا بعضهم البعض كما هو الحال فى معظم المجتمعات الزراعية .

وهنا لابد من الإشارة الى المناطق الخمس الرئيسية المتمتعة بالحكم الذاتى وهى : منطقة نينغشيا التى تقطنها قومية هوى المسلمة ومنطقة شينجيانغ لقومية الويغور المسلمة ومنطقة منغوليا الداخلية لقومية المنغول ومنطقة التبت التى تقطنها غالبية تبتية ومنطقة قوانغتشى لقومية تشوانغ . فابناء هذه المناطق يتمتعون ، سواء فى داخلها او خارجها ، بتسهيلات واستثناءات ملحوظة فى مجال الإنجاب ويحق لابنائها انجاب اكثر من طفل .

وفى الارياف والمروج الرعوية للمناطق الخمس المذكورة اعلاه ، لايوجد حد للانجاب . ونشير هنا الى وجود نحو 20 قومية صينية يتراوح عدد افراد كل منها بين أقل من 10 آلاف إلى 100 ألف نسمة، منها قوميات بولانغ والطاجيك وبومي وآتشانگ ونو وأوينك وجينگ وجينوه ود آنگ والأوزبك وروسيا ويويقو وباوآن ومنبا وألونتشون ودولونگ والتتار وختشه وقاوشان ولوبا ، حيث يعيش ابناؤها بشكل رئيسى فى مقاطعات شينجيانغ وهيلونغجيانغ ومنغوليا الداخلية ويوننان وقويتشو وتشينغهاى وجزيرة تايوان ونينغشيا وغيرها ، ويتمتعون باستثناءات وتسهيلات فى مجال الانجاب من اجل تكاثر ابناء هذه القوميات وحفظ تراثها المادى والمعنوى.

وكما قلنا سابقا فإن هذه السياسة تطبق عموما على كافة الصينيين ، ولكنها تستهدف أساسا سكان المدن ، وهؤلاء ايضا يحظون بتسهيلات ومرونة . ويمكن تلخيص التسهيلات وشروطها بما تطبقه مدينة شانغهاى مثلا على سكانها ، ومعظم هذه التسهيلات ممنوح لعدد كبير من سكان المدن الصينية الأخرى ، ويمكن تلخيص هذه التسهيلات كالآتى :

1- يحق للزوجين إنجاب طفلين إذا كان كل منهما وحيدا فى عائلته.
2- يحق للزوجين إنجاب طفل ثان إذا حدث عوق غير وراثى للطفل الأول ، وقد يمنعه العوق من العمل عند بلوغه سن الرشد.
3- يحق للزوجين إنجاب طفلين إذا كان احد الزوجين معاقا ، بسبب غير وراثى ، ولا يمكنه التصرف بمفرده فى الحياة .
4- إذا كان احد الزوجين عسكريا معاقا من الدرجة الثانية ، يمكنهما إنجاب طفلين.
5- إذا كانت مهنة احد الزوجين بحارا او صيادا يعمل فى البحر لخمس سنوات متتالية وما زال فى مهنته ، يحق للعائلة انجاب طفل ثان.
6- يمكن للزوجين انجاب طفل ثان إذا كان أى منهما فلاحا ، أو انه ( الزوج او الزوجة) الوحيد فى عائلته .
7- يمكن للزوجين انجاب طفلين ، إذا كانت الزوجة تقيم بشكل دائم فى قرية وليس لها اشقاء ذكور ، وتلتزم جميع اخواتها بسياسة انجاب طفل واحد ، على ان يعيش زوجها فى بيت إسرتها للمساعدة فى إعالة حمويه العجوزين.
8- إذا تبنى زوجان عقيمان طفلا بشكل قانونى ، وتشهد إحدى المستشفيات الرسمية من الدرجة الثانية وما فوق ، بأنهما كانا عقيمين ، يحق لهما انجاب طفل من نسلهما اذا تمت معالجة عقمهما.
9- إذا تزوج مطلقان ، أو أرملان ، وحيدان فى عائلة كل منهما ، زواجا ثانيا ، وكان لكل منهما طفل من زواجه الأول ، يحق لهما انجاب طفل آخر يكون الثالث من زواجهما الثانى.

إضافة الى تسهيلات واسعة أخرى تمنح حسب ظروف الزوجين ، ووفقا لظروف المقاطعة او المحافظة او المدينة ، ناهيك عن التسهيلات الممنوحة لمناطق الحكم الذاتى ، الى جانب الغاء هذه السياسة اصلا فى بعض المناطق الريفية للأقليات القومية.
سياسة تنظيم الأسرة فى الصين بين مؤيد ومنتقد :مازال مؤيدو هذه الإجراءات يرون ان الصين تقدم من خلال تطبيقها مساهمة كبيرة لكوكب الأرض وللبشرية جمعاء.

فلولا هذه الإجراءات لكان مستحيلا على الصين أن تُطعِم هذا العدد الهائل من السكان ( خمس العالم ) وتنتشل اكثر من 200 مليون من مواطنيها من براثن الفقر المدقع ، وتوفر لهم الطعام والكساء والتعليم والخدمات الصحية ، وتسهم إيضا فى تقديم المساعدات قدر الإمكان لبعض الدول المُحتاجة . ولولا هذه الإجراءات لما تمكنت الصين من تحقيق الإكتفاء الذاتى فى محاصيلها الغذائية ولما تمكنت من تحقيق نمو إقتصادى أثار إعجاب العالم أجمع، إضافة الى مساهمة الصين فى خفض زيادة تقدر بثلاثمائة مليون نسمة لسكان العالم خلال فترة تطبيق هذه السياسة. ولذلك مازال مؤيدو هذه السياسة مُصِرّين عليها وعلى معارضة أى محاولة لتيسيرها ، رغم الانتقادات التى توجه اليها من هنا وهناك.

ونبقى على الجانب المؤيد لسياسة تنظيم الأسرة فى الصين ونشير الى ما يقول عنه مؤيدوها بانه بعض من إيجابياتها ، خاصة ما يتعلق بالبيئة والموارد والنزاعات الناجمة عن الانفجارات السكانية. فهم يستشهدون بالأخطار البيئية المُحدِقة بكوكبنا جراء الاستغلال المفرط للموارد التى باتت ضعيفة على سطح الارض ، ويعتقدون ان الزيادة الكبيرة فى أعداد سكان الارض سينجم عنها مشاكل خطيرة تبلورت فعلا فى هجرات الجياع بحثا عن الطعام والرزق ، وفى حدوث نزاعات جيوبوليتيكية باردة وأخرى ساخنة ومسلحة فى أماكن عديدة بالعالم حول الحدود وموارد الأرض والمياه والطاقة . ويعتقدون ان مشاكل الانفجارات السكانية غالبا ما تعالج اما بالحروب او بالكوارث ، ويتساءلون عن سبب الانتقادات طالما ان هذه السياسة توفر مجالا لتنظيم الانجاب بشكل قانونى وطوعى ومقبول واقعيا ، ويرون أن هذه المعالجة أفضل من انفجار سكانى يعنى عدم الاستقرار الاجتماعى وإمكانية اندلاع حرب فى اى لحظة.
منتقدو هذه السياسة :يرى منتقدو هذه السياسة انها لم تَعَُُد مبرَرة بعد التقدم الكبير الذى شهدته الصين على كافة الأصعدة ، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ومعاشيا ، وقد آن الأوان لتخفيفها إن لم يتم إلغاؤها تماما. ويشيرون الى ضرورة ان تنتبه الصين لحقيقة ان مواصلة كبح الزيادة الطبيعية للسكان سيجرّ عليها مشاكل مثل شيخوخة المجتمع ، وعدم التوازن بمواليد الجنسين ، والتمييز ضد الأناث ، مضيفين ان العالم اليوم يشهد تغيرات عميقة فى كافة المجالات وهناك دول أخرى ، خاصة المجاورة للصين ، تشهد زيادة سكانية كبيرة توظفها لصالحها سياسيا واقتصاديا ، كما يحصل فى الهند مثلا ، إضافة الى عوامل مهمة أخرى تتعلق بمقارنة معدلات الخصوبة والإنجاب لدى الصينيات من جانب وجاراتهن الآسيويات وفى مناطق أخرى بالعالم من جانب آخر ، وأثر ذلك على معدلات الإنجاب والنمو السكانى الطبيعى فى الصين مستقبلا ، وهى أمور تستدعى – حسب رأيهم – أن تخفف الحكومة الصينية قيود هذه السياسة إن كان هناك ما يبرر استمرار تطبيقها حتى الآن.

ويستشهد منتقدو هذه السياسة بأمثلة واقعية فرضت نفسها خلال العقد الماضى وتجسدت بمنح عدة مدن صينية كبيرة ، أولها شانغهاى، تسهيلات لسكانها فى مجال الإنجاب وسمحت للأزواج بإنجاب طفل ثان للحيلولة دون المزيد من مشاكل شيخوخة المجتمع. اضافة الى اضطرار الجامعات الصينية الى غض الطرف عن زواج الطلبة الجامعيين بعد ان كانت تحظر زواجهم خلال فترة دراستهم الجامعية وتطرد كل من يخالف ذلك الحظر.

ويرى المتابعون أنه فى ظل مواصلة تطبيق هذه السياسة ، يتعين على الحكومة الصينية مواصلة تخصيص الاستثمارات للضمان الاجتماعى وضمان الشيخوخة وتوفير رعاية خاصة للأرياف وتحديث الزراعة وتطوير المكننة ، ومراعاة جانب مهم يتعلق بضرورة المعرفة الدقيقة لمعدل الزيادة السكانية الملائم للتنمية المستدامة ، والأخذ بالاعتبار ان تشجيع عدم الإنجاب سيكون سلبيا على المدى الطويل .

وهناك دول تنظر لهذه المسألة بقلق كما هو الحال فى اليابان التى ظهرت فيها دراسات تحذر من خطر ضعف البلاد بعد 200 سنة بسبب ضعف معدلات الإنجاب . ويتعين على الصين ايضا التركيز على تحسين انظمة الضمان الاجتماعى والصحة والتعليم حتى يلمس المواطن ويرى ثمار هذه السياسة ويشعر بمبررات التزامه بها وبالاطمئنان على مستقبله ، وأن لديه ما يحميه ويعينه فى حياته عموما وشيخوخته خصوصا ، لأن وجود ابن واحد فقط قد يدفع الأب أو الأم الى الإحساس بالوحدة واليأس إذا ما شاخ أو عجز ، فالأولاد ليسوا مجرد عدد بل هم مصدر شعور طبيعى للسعادة والاطمئنان . ويتعين على الحكومة ايضا تعزيز الوعى الاجتماعى ليشعر الآباء والأبناء ايضا بأنهم ليسوا وحيدين فى مجتمع يتجه يوميا نحو المادية واللا اجتماعية. فكلنا يعرف أنه فى مجتمع بات ماديا واقتصاديا من الدرجة الاولى ، تراجعت العلاقات الاجتماعية كثيرا وأصبح الابن بعيدا عن أبويه ، والأخ مشغولا عن أخيه ، والجار لا يعرفُ جاره بسبب مشاغل الحياة وعدم وجود الوقت الكافى لمثل هذه العلاقات . وفى ظل غياب هذه الحقائق المُعَزِزة للعلاقات الأسرية والإجتماعية ، اصبح ضروريا أيضا أن يتهيأ للطفل المناخ الملائم لترعرعه ، إذ لايمكن من الناحية البيولوجية أو الاجتماعية أن يترعرع الطفل وحيدا فى محيط اسرة ليس فيها أخ أو أخت يلعبان معه ويُلاطفانه أو يُلبيان اهتماماته الطفولية الطبيعية ، خاصة فى ظل حقيقة ان الأبوين مشغولان طوال الاسبوع بعملهما الذى يمتد من الصباح حتى المساء ، وإذا عادا الى البيت مساء يكونان مُتعَبَين لا وقت ولا مزاج لديهما لطفلهما. وهنا لابد من اللجوء الى المُربية التى تعتبر حالة منتشرة بكثرة فى الصين. ولايخفى على أحد المشاكل الناجمة عن غياب الأم الحقيقية واستبدالها بمربية غريبة لا تربطها بالطفل سوى الأجرة اليومية أو الشهرية . لذلك يسعى الصينيون – خاصة الأمهات – الى محاولة تعويض اجواء الانسجام الطفولى المفقودة فى شقة العائلة من خلال الإجتماع سوية فى ساحة المجمع السكنى ، حيث تجلب كل أم طفلها ليلعب مع الاطفال الآخرين ، وعندما ينتهى الوقت المحدد لهذا الاجتماع ، يذهب كل طفل مع والدته الى شقته الخالية من أى أُلْفة طفولية يحتاجها كل طفل طبيعى.
وهناك مشكلة أخرى يعترف بها معظم الصينيين ، وهى الدلالُ المُفرِط للطفل الواحد . ففى العائلة الصينية اليوم ، هناك ستة اشخاص على الأقل يحاولون بشتى الوسائل تدليل الطفل ، وخاصة الطفل الذكر . والاشخاص الستة هم ابواه وجداه من جهة الاب وجداه من جهة الأم ، وقد تراهم يهرولون خلف عربته أو عجلته جميعا ، هذا يُلاطِفُه وذاك يُطعِمُه ، والآخر يساعده وذاك يضحك بلا سبب إلا لإرضاء الطفل المُدلل. ولايحتاج الأمر الى تفكير طويل لمعرفة ما ستؤول اليه نفسية هذا الطفل الذى سينشأ معتمدا على الأخرين ومفتقدا للقدرة على مواجهة ظروف الحياة ، مغرورا بنفسه وأنانيا، وهذا يعنى بالنتيجة خلل فى تحمل المسئولية الاجتماعية لعدة أجيال.

ومن خلال هذا الطرح ، يتبين لنا ان لكل فريق – المؤيد والمنتقد – وجهة نظره حول هذا الموضوع . وتبقى الظروف الواقعية للصين ، بعدد سكانها الهائل وبمواردها المحدودة وبالتحديات التى تواجهها ، هى التى تحدد فعلا ما اذا كانت هذه السياسة ستبقى حيز التنفيذ ، أم آن الأوان لتخفيف قيودها لإرضاء شريحة ميسورة واسعة ظهرت فى البلاد خلال العقد الماضى ، وباتت تلجأ لكل الوسائل بما فيه التحايل على القانون ، من أجل إنجاب المزيد من الأطفال. ويبقى الجدل حول هذا الموضوع مستمرا طالما ظلت هذه السياسة قيد التطبيق وطالما ظل حب الأبوين يزداد للمزيد من الأولاد. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الترويكا بين المفهوم والمصطلح

  الترويكا بين المفهوم والمصطلح     الترويكا ثالوث الرأي السياسي، والمفهوم     الدال على اجماع الرأي الواحد، وفي وقتنا الحاضر، لم تع...